عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

37

اللباب في علوم الكتاب

باعتبار ما يترتّب ] على شربهما ممّا يصدر من شربها من الأقوال السّيئة ، والأفعال القبيحة . وإمّا باعتبار ما يترتّب على تعاطيهما من توالي العقاب ، وتضعيفه . وإمّا باعتبار من يزاولها من لدن كانت عنبا إلى أن شربت ، فقد لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخمر ، ولعن معها عشرة : بائعها ، ومبتاعها وغيرهما ، فناسب ذلك أن يوصف إثمها بالكثرة . وأيضا فإنّ قوله : « إثم » ، مقابل ل « منافع » ، و « منافع » جمع ، فناسب أن توصف مقابلة بمعنى الجمعيّة ، وهو الكثرة . وهذا الذي ينبغي أن يفعله الإنسان في القرآن ، وهو أن يذكر لكلّ قراءة توجيها من غير تعرّض لتضعيف القراءة الأخرى كما فعل بعضهم ، وقد تقدّم فصل صالح من ذلك في قراءتي : « ملك » ، و مالِكِ [ الفاتحة : 3 ] . وقال أبو البقاء « 1 » : الأحسن القراءة بالباء ، لأنه يقال : إثم كبير وصغير ، ويقال في الفواحش العظام : « الكبائر » ، وفيما دون ذلك « الصّغائر » وقد قرئ بالثّاء وهو جيد في المعنى ؛ لأنّ الكثرة كبر ، والكثير كبير ، كما أنّ الصّغير حقير ويسير . وقرأ عبد اللّه « 2 » - وكذلك هي في مصحفه - : « وإثمهما أكثر » بالمثلّثة ، وكذلك الأولى في قراءته ، ومصحفه . فصل [ في دلالة قوله تعالى : « فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ » على تحريم الخمر ] دلّ قوله تعالى : « فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ » على تحريم الخمر كقوله تعالى : إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [ الأعراف : 33 ] والإثم يستحق به ؛ فدلّ مجموع الآيتين على التّحريم ، وأيضا فإنّ الإثم قد يراد به العقاب وقد يراد به : ما يستحق به العقاب من الذّنوب ، وأيّهما كان ، فلا يصحّ أن يوصف به إلّا المحرّم . وأيضا قد قال تعالى « وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما » ، فصرّح برجحان الإثم ، وذلك يوجب التّحريم . فإن قيل : لا تدلّ الآية على أنّ شرب الخمر حرام ، بل تدلّ على أنّ فيه إثما ، فهب أنّ ذلك الإثم حرام ، فلم قلتم إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم ؛ وجب أن يكون حراما ؟ فالجواب أنّ السّؤال كان واقعا عن مطلق الخمر ، فلمّا بين تعالى أنّ فيه إثما ، كان المراد أنّ ذلك الإثم لازم له على جميع التّقديرات ، فكان شرب الخمر مستلزما لهذه الملازمة المحرّمة ، ومستلزم المحرّم محرّم ؛ فوجب أن يكون الشّرب محرّما .

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 93 . ( 2 ) انظر : الشواذ 13 ، والمحرر الوجيز 1 / 294 ، والبحر المحيط 2 / 167 ، والدر المصون 1 / 537 .